حوارات وتحقيقات

أنباء اليوم تحاور الدوسري مؤسس شبكة أبرك للسلام

رانيا ضيف تحاور عارف الدوسرى  

حوارنا اليوم مع شخصية لها رؤية واضحة، مع مدرب التنمية الذاتية المتميز بآرائه القوية ،ومؤسس شبكة “أبرك للسلام “
والذى تناول فيها عدة قضايا شائكة؛ منها موضوعات المرأة ،والعلاقات الأسرية وما بها من خلل فى مجتمعاتنا اليوم،
الأستاذ/ عارف الدوسرى
دعنا نرحب بك في بداية حوارنا أهلا وسهلا بحضرتك‪.‬

 نود أن نعرف القارئ أكثر على شخصية الدوسري 

اسمي عارف الدوسري من مواليد البحرين سنة ١٩٦٩ تربيت في عائلة متوازنة، قليلة المشاكل ،وكان أبي رحمه الله سمح لنا بحرية اتخاذ القرارات ،وساوى بيننا جميعا. لم يكن هناك فرق في التعامل بيني وبين أخواتي

أميل للقوة في القرارات والوضوح في كل شيء. لا أسأل أحدًا ولا آخذ رأي أحد في أي شيء بل أعتمد على البحث والتجربة،
والاستفادة من تجارب الآخرين بعد أن أحللها تحليلا دقيقا (بسرعة) ،وهبني الله سرعة الفهم ،وإستنباط المعاني من عمر صغير لذلك ،لم أجد صعوبة في الدراسة، ولا في فهم الحياة.

ما مدى تحقيق توقعاتك؟ وبماذا تفسر ذلك؟

كثير من الأشياء التي توقعتها حدثت ،حتى المستبعد منها. أكبر هبة وهبني الله إياها هي القدرة على رؤية تداعيات الأحداث بناء على الواقع.
فعندما أكتب أو أعبر عن رأيي يكون ذلك عن اقتناع، وعن صدق عميق مع الذات ،ولا أهتم بما يعتقده الناس، هل يناسب العادات والتقاليد أو يناسب الفكر العام أم لا.
ما يهمني هو المنطق السليم. لا أخشى الحديث في الأشياء التي يتجنبها الناس ،لأنني أقدم حلول ،ولا أحاول الترقيع أو المجاملة.

 مبادرة مجتمعات خالية من التنمر؛ كيف نشأت الفكرة وما الهدف منها ؟!

مبادرة مجتمعات خالية من التنمر هي النتيجة الطبيعية لما توصلت إليه من قناعات ؛حول الشخصية العربية الميالة للتنمر ،بسبب ضعفها الشديد ،وإفتقارها للنضج. ثم أن المشكلة كبرت ،وصارت تهدد مستقبل الناس. نحن الآن في وقت نحتاج فيه للإنتاج، والإبداع، والعطاء ،ومنافسة المجتمعات الأخرى، لكن الحاصل هو ازدياد ظاهرة التنمر على المبدعين ،والمميزين بحيث يتم تحطيمهم ،والقضاء عليهم منذ البداية ،على يد مجموعة من الفاشلين اجتماعيا وأخلاقيا. صار المميزون يخافون من الظهور وهذا شيء غير جيد. لذلك مبادرة مجتمعات بلا تنمر هي المسمار الأول الذي أدقه في نعش الرعاع والمتخلفين.

الهدف من المبادرة هي تحويل المجتمعات العربية من حالة الهمجية إلى التحضر. هذا قد يزعج البعض ،ولكن هذة هي الحقيقة. نحن مجتمعات همجية ،وهذا يجب أن يتغير.

ما هو مفهوم التنمر من منظور الدوسري؟ وما هى أنواعه ؟

التنمر هو كل الأعمال العدائية المتكررة ؛التي يقوم بها الفاشل من أجل الحصول على مكتسبات من الضحية العاجزة ،أو لإرهابها والسيطرة عليها.
يجب أن نعرف أن المتنمر شخص فاشل ،قد التقى بشخص عاجز إما لخوفه أو لصغر سنه ،وقلة خبرته في الحياة.

أنواع التنمر كثيرة ،وأعتقد أن الكل يعرفها ،لأنهم يعيشونها كل يوم

لكن كما ذكرت آنفا. التنمر هو العمل العدائي المتكرر، وسواء كان هذا العمل جسدي ،أو نفسي ،أو لفظي ،أو حتى إيحائي فهو تنمر.

يجب أن يفهم الناس أن التنمر نمط سلوكي ،ونفسي يمارسه المتنمر على ضحيته ،فأي عمل يؤدي إلى تحطيم نفسية الضحية أو يشل قدرتها على الدفاع عن نفسها مهما كان بسيطا، إذا تكرر وأصبح نمط حياة ؛فهو تنمر.

ما هى أهم السمات الشخصية للمتنمر ؟

المتنمر هو شخص خائف ويعاني من اختلالات أخلاقية. يعتقد البعض أن التنمر مرض نفسي ولكن على الأرجح هو اختلال سلوكي. فالمتنمر يحاول الحصول على الأشياء بلا وجه حق. ربما يحاول الحصول على أشياء مادية أو أشياء معنوية. مثلا تنمر الأطفال في الغالب يقع ضمن الأشياء المادية ؛التي يحاولون الحصول عليها من الأطفال الضحايا. أما البالغين فتنمرهم ينبع من شخصيات مهزوزة ،أو ضعيفة، وجدت ضحية أضعف منها فتحاول إخراج غضبها ،والتعويض عن ضعفها بالتنكيل بالضحية ،سواء جسديا أو نفسيا. يحاول المتنمر أن يخفي ضعفه بإظهار القوة على من هم أضعف منه، أو تحت سلطته ،كالأطفال أو النساء.
شيء أساسي لاحظته من خلال تعاملي مع العديد من القضايا المتعلقة بالتنمر ؛أن المتنمر لا يمارس تنمره خارج البيت. أكثر التنمر يحدث في البيوت حتى لا نكاد نصدق أن فلان من الناس الذي يضرب به المثل في الطيبة، والأخلاق ،في بيته يتحول إلى فرعون أو نيرون!

هل المتنمر مريض نفسيا ؟وهل هو جانى أم ضحية ؟ وما دوافعه من هذا السلوك ؟

المتنمر دائما جاني ،وهو ليس مريض نفسي ،بل هو مريض سلوكيا. يجب أن نتوقف عن إختلاق الأعذار للمتنمرين ؛لأن هذة حجة يستخدمونها لخداع الناس. أعرف بعض المتنمرين الذين صاروا كالحملان الوديعة أمام القانون. هذا لأن المتنمر يعي تماما ما يقوم به ،ويعرف الخسائر التي ستحدث له إن استمر في تنمره على الضحية تحت ظل القانون. لو كان مريضا نفسيا، لاستمر وحينها يمكننا بكل سهولة إيداعه أي مصحة للعلاج النفسي. باختصار إن كان مختل سلوكيا فيمكنه تهذيب نفسه، والتوقف عن الهمجية ،وإن كان مختلًا نفسيا فهو ليس متنمرا وإنما مؤذي وهذا مكانه مستشفيات الطب النفسي.

حضرتك ذكرت أن التنمر حيلة العاجز للحصول على أشياء لا يستحقها، فيستخدم القوة لإخضاع الضعفاء ،وأحيانًا يكون من شدة خوفه كحيلة دفاعية ،وأحيانًا يكون سلوكه ناتج عن سوء خلق ؛
فهل التعامل مع كل هذه الحالات بنفس الطريقة يؤتى ثماره ؟!

نعم ،بكل بساطة عندما يعرف المتنمر أن أمره مكشوف ،وأن هناك من يستطيع إخضاعه ،يهدأ ويعود لصوابه، أو على الأقل يبتعد ويترك الضحية وشأنها.

كيف نجنب أولادنا التنمر ؟

لا نستطيع أن نجنبهم التنمر ،ولكن نستطيع أن نجعلهم أقوى على ردع المتنمرين. أولا يجب أن يعرف أولادنا أننا نقف إلى جانبهم في جميع الأحوال. وثانيا يجب أن نخبرهم أن لا يمارسون التنمر على الآخرين ،لأن هذا ضعف من جانبهم ،ونخبرهم أن الآخرين لن يسكتون عنهم ،ويتنازلون عن حياتهم وممتلكاتهم ؛لأنهم يتنمرون عليهم. أفضل طريقة أعتقد هي عندما نحذر أولادنا من أن يصبحوا متنمرين ،ونخبرهم بطريقة مهذبة وواعية أن الآخرين لا يقبلون التنمر ،ولن يسكتوا عنه، وأنهم غير ملامين وأنه بكل تأكيد أمهاتهم ،وآبائهم سيساندونهم.
الطفل بطبيعته ذكي، وسيفهم أنه له نفس الحقوق في الدفاع عن نفسه.
ثالثا يجب أن نخبر أولادنا أننا نساندهم، وأن أبوابنا مفتوحة لهم ،يستطيعون إخبارنا بما يجري لهم دون عقاب.
بعض الآباء يعتبرون شكوى أولادهم نوع من الضعف، فيؤنبونهم كثيرا حتى يفضل الأولاد عدم الشكوى .
يجب أن يعلم الأب أو الأم أن الطفل يشتكي ليس لأنه ضعيف ،ولكن لأنه يريد الدعم النفسي. نعم ندعمه نفسيا، ونخبره دافع عن نفسك. أنت تستطيع، لا تسكت، حاول وإذا لم تستطع فأخبر المدير. يجب أن يتعلم الطفل استخدام المصادر المتوفرة لديه فإذا لم يجد حلا؛ هنا نتدخل شخصيا.

لو تعرض أولادنا للتنمر فما واجبنا نحوهم ؟وكيف نعالج آثاره النفسية المدمرة ؟

لا توجد آثار نفسية مدمرة. هي آثار نفسية وكفى. الطفل يريد أن يعرف أن والديه معه ويساندانه ،وأنهم متفهمين لما تعرض له من أذى. ثم بعد ذلك يجب أخذ الطفل بتدرج نحو التعبير عن أفكاره ،والاعتماد على نفسه في أموره اليومية، والاعتراف له بأنه مميز ،لأنه يعتمد على نفسه، وأنه نجح في هذا الأمر. باختصار يجب أن نحوله إلى شخص ناجح على حسب مستواه وقدراته. لا يوجد علاج أفضل من النجاح وبكل تأكيد الحب. أيضا يجب الابتعاد كليا عن التنمر ،لأن أكبر المتنمرين هذة الأيام هم الوالدين. يتنمرون دون علم أو وعي. يظنون أنها مزحة.
على شبكة أبرك للسلام كتبت الكثير من المقالات حول علاج الآثار النفسية سواء للتنمر أو غيره من المخاوف. لكن اختصارًا العلاج هو الحب أولا، وثانيا تقوية الطفل وتعويده على النجاح في إدارة أموره الشخصية.

هل يجب تدخل أولياء الأمور بأنفسهم للتعامل مع الطفل المتنمر على أولادهم ؟ أم نقدم نصائح لأطفالنا ونتركهم يقوموا بصد ذلك العدوان عن أنفسهم مع متابعتهم ؟

الاثنان معا. نتدخل إن كان الاعتداء كبيرا. يجب أن يعلم الطفل أننا نقف إلى جانبه ،ونسانده في جميع الأوقات. أما الاعتداءات الطفولية ،والبسيطة فنترك له فرصة لتقوية أعصابه بالتعامل معها بنفسه ،ونحن نقدم له التوجيه من بعيد، فإذا نجح شجعناه وباركنا له نجاحه.

كيف نقوم من سلوك المتنمر ليعود شخصا صالحا فى المجتمع؟

نقوم من سلوكه عن طريق ردعه ،ومنعه من الاعتداء على الآخرين. هو يتنمر لأنه لم يجد من يردعه ويرد عدوانه. هذا هو كل شيء. صديقيني رانيا؛ كل ما يدعيه المتنمر من أمراض نفسيه كذب. عندما يوجد من يتصدى له يعود إلى رشده. المشكلة الآن أنه لا يوجد الكثير من الناس الذين يريدون التصدي للمتنمرين. يبدو أن سوء الأخلاق له قيمة عالية في مجتمعاتنا.

 يعتقد البعض أن لو طفل دافع عن نفسه ضد التنمر بنفس إسلوب المتنمر فلن يتغير شيىء فى المجتمع !وستظل المشكلة قائمة فما قولك فى ذلك ؟

-هل أواجه الدبابة بعلبة كلينكس؟ كل طبع وله طريقة تعامل. المعتدي يجب ردعه ورد عدوانه. مبدأ بسيط جدا. عموما الضعيف لا يستطيع إنتاج القوة ،ولذلك يركن للأساليب الضعيفة ،وهذا ما يعقد المشكلة أكثر. قلنا في البداية أن التنمر هو حالة يعتدي فيها الفاشل على العاجز، فإذا بقي العاجز عاجزا سيستمر التنمر. هناك من يتحدث عن التنمر وكأنه حق والضحية على باطل فيجب أن تراعي المتنمر. دائما الضعفاء سيرشدونك إلى المزيد من الضعف.

سؤال يؤرق عدد كبير من الناس وهو ؛
كيف يتعامل الشخص البالغ مع المتنمر إن ًكان المتنمر أحد الوالدين أو الأجداد أو من له سلطة علينا فى الحياة والعمل ؟

لا أحد له سلطة علينا في الحياة أو العمل. نحن نمنحهم السلطة والمكانة. أكثر المتنمرين هم من البالغين؛ الذين يصل تنمرهم إلى حد الجريمة في بعض الحالات المتأخرة. الوالدين بشر في نهاية الأمر وهما محاسبين على سوء سلوكهم. نسمع كثيرا عن عقوق الأبناء ،ولكن لا أحد يتكلم عن جرائم الآباء والأمهات. في السجون يوجد الكثير من الآباء والأمهات. لماذا لم تتركهم الدولة ماداموا يقعون تحت مسمى والدين؟ هذا لأن الحق حق ،وعلى كل إنسان أن يعرف حدوده. من خلال خبرتي في هذا المجال أستطيع أن أؤكد أن الوالدين يتراجعون عن غيهم عندما يدافع الأبناء عن حقوقهم ومكانتهم. عندما تأتي بشخص مهزوز الشخصية وتمنحه سلطات واسعة، وتوليه أمر الناس ،فمن الطبيعي أن يتحول إلى متنمر ،وهذا حال الكثير من الآباء والأمهات ،وبما أن ما يقومان به لا يرتقي إلى مستوى الجريمة ،فهذا يعني التعامل معه يكون ضمن حدود البيت. على الأولاد والبنات الدفاع عن أنفسهم والمطالبة بحقوقهم وهنا تختلف الأساليب. بعض العائلات راقية، ويكفي الإنسان أن يعبر عن إنزعاجه أو حزنه فتجد الوالدين بما يحملانه من رأفة ،وحب يتراجعان ويصححان الوضع، وفي بعض العائلات شديدة الهمجية يحتاج الأولاد إلى استخدام أساليب أكثر تأثيرا ،كالمقاطعة أو إظهار الزعل الشديد، أو عدم التعاون، أو الخروج من البيت، أو العصيان ،أو حتى إبلاغ الشرطة.
كثير من قضايا التنمر والاعتداء لم تجد حلا إلا عندما وصل الأمر للشرطة أو القضاء.

 التنمر الإليكترونى يعتبر أحدث أنواع التنمر فكيف نستطيع تحجيمه خاصة بعدما تسبب فى حالات انتحار فى العام الماضى ؟

التنمر الإلكتروني حاله حال بقية أنواع التنمر ،لكن أفضل طريقة وجدتها هي الحجب. أحجب أكبر عدد من المتنمرين حتى لا يجدون ما يتابعونه. هكذا بكل بساطة. لا تناقش المتنمر، ولا ترد عليه، ولا تمنحه مكانا على صفحتك.
أحظر بلا تردد،أبدا لا تدخل في نقاش مع المتنمر، فقط احظر تواجده على أي منصة تستخدمها ،وستجد بأن بقية المتنمرين يرتدعون. أعتقد أنني حظرت الآلاف من المتابعين ،والآن صفحتي نظيفة ولا يوجد فيها إلا الأشخاص المتوازنين. هناك ملايين الأشخاص الطبيعيين والمتوازنين فلا داعي للقلق عندما نتخلص من المختلين.

وأخيرا ما هى آمال الدوسرى المرجوة من هذه المبادرة ؟

ما هو الدور الذى يجب على الدولة القيام به للقضاء أو للحد من هذه الظاهرة من وجهة نظركم ؟

آمالي بسيطة. القضاء على التنمر والمقصود به تنمر الكبار. البعض يعتقد أن الأطفال متنمرين ،ولكن التنمر في عالمنا العربي هو سلوك عام ،يعاني منه الكبار قبل الصغار. أتمنى أن تمتد المبادرة لتشمل كل الجهات الرسمية ،وغير الرسمية المهتمة بالأمر، لكن أملي في الأفراد أكبر. يبدو أن الجهات الرسمية مازالت تغط في سبات عميق.
على الدولة أولا أن تسن القوانين الواضحة ،والصريحة لحماية كل مواطن من اعتداءات المواطنين الآخرين. عندما يعتدي مواطن على الآخر ،فقط لأن الأول أب أو أم والثاني ولد أو بنت فهذا غير مقبول. يجب أن تحمي الدولة الطفولة ولا تقبل أن ينتج الآباء والأمهات مواطنين ضعفاء.
ثانيا؛ على الدولة أن تستخدم وسائل الإعلام لمناقشة الأمر ،وإنتاج أفلام أو مسلسلات تعالج القضية بأعمال فنية مختلفة ومتفاوتة في التركيز والذوق والنوعية. وأخيرا يجب أن تعمل الدولة على تطوير ثقافة المجتمع من جميع النواحي. لا يجب أن تقبل أي دولة بوجود مواطنين رعاع. التنمر يمثل قمة جبل الجليد وعلى المختصين العمل بجد في هذا الجانب ؛لأننا فعلا شعوب تحتاج لرفع ثقافتها، ووعيها إن أرادت الحفاظ لها على مكان بين الأمم. المستقبل لن يرحمنا إن استمر الحال على ما هو عليه الآن.

فى نهاية حوارنا نشكر  الأستاذ “عارف الدوسرى”  متمنين له مزيدا من التوفيق

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق