محافظات مصر

بالاصرار والعزيمة أول سيدة تتحدى التقاليد وتحصل على الليسانس منذ ٦٠ عاما بالوادى الجديد

 

كتب – ياسر يوسف

لكل كتاب أبواب وفصول وصفحات ، ولكل مقام مقال إذا ذكرت العبرات ، أما العلا فلا سبيل إليه إلا بالعلم وطلب النجاح .

لم تنس نعيمة إبنة الصحراء تلك العبارات الرنانة والكلمات الخالدة والتى مر على ذكرها اكثر من ٧٠ عاما كانت لا تزال فتاة صغيرة لم تتجاوز الثامنة من عمرها وهى تجلس على مقعد خشبي بمفردها فى الجهة المقابلة لمكتب الناظر ، تستمع إلى أستاذها الجليل الشيخ هنادى وهو يردد تلك الكلمات ناصحاً بها إياهم ، وذلك داخل فصل تعليمى أولى لا يوجد به سوى عشرة صبيان ذكور وفتاة واحدة .
لم تنس انشودة السلام ونبرة أستاذها محمود حافظ فى تلاوة القرآن وابتسامة الأمل والإشفاق من قبل أحمد عبدالصادق ناظر المدرس، كلما رآها جالسة تحت ظل الأشجار.

لم ترفض الواقع ولم تتمرد على الظروف ، وبقيت مستأسدة غير مبالية بتعليمها وسط مجموعة من الصبية والمعلمين ، فرغبتها فى العلم من أجل التعلم كانت أقوى من مجرد الإنصياع لتقاليد البادية من عرف وعادات تمنع الفتاة استكمال تعليمها بعد سن التاسعة وتؤيد بقائها بمنزل والدها لحين خطبتها
وعقد قرانها حفاظا على عفتها وتقاليد المجتمع الواحاتى.

فكثيرا ما كانت تتعرض للنقد والتعنيف من أقاربها وبعض جيرانها ، وكثيرا ماكانت تشعر بأعين الجميع تحاصرها من جميع الإتجاهات وترمقها بنظرات تتساقط عليها كأمطار رعدية فى فصل شتاء متقلب ، وذلك عند عودتها بعد إنتهاء اليوم الدراسي في تمام الساعة الثالثة عصرا وهى فى طريقها إلى منزلها الصغير.

كلما نظرت فى المرأة كانت ترى بقايا آثار لدموعها التى لم تجف ولم تختفي يوما من شدة الأسى والشعور بالوحدة والوهن أمام تحديات كثيرة مابين مجتمع يرفض تعليم الفتيات وحظ عاثر لفصل واحد به ١٠ صبيان وفتاة بمفردها .

الجميع باستثناء والديها لم يتقبلوا فكرة إستكمال تعليمها، إلا أن القدر كان رحيما بها فوالديها كانا مؤمنين بأن التعليم حق مكفول للجميع وأن ابنتهما تمتلك من السمات العقلية والمهارات الشخصية ما يميزها عن اقرانها من التلاميذ، فى وقت كان فيه التعليم مقتصرا على أبناء الأغنياء وكبار الأعيان.

ولكن وبمرور الوقت تمكنت فتاة الصحراء من تحقيق أكبر إنتصار معنوى فى تاريخ المرأة الواحية من قدرة على منافسة الرجال فى جميع المجالات، فاجتازت المرحلة الأولى والثانية من التعليم الأولى والابتدائي ونجحت فى الوصول إلى السنة النهائية لشهادة الثانوية العامة لتصبح إبنة الصحراء نعيمة على محمد مرزوق اول فتاة من محافظة الوادى الجديد تتحدى العرف وتحصل على شهادة الثانوية العامة وليسانس حقوق جامعة القاهرة على مدار ٢٠عاما من المعاناة والشدة بالإرادة والتصميم ، لتقف اليوم شامخة بعد بلوغها بعد مرور ٧٨عاما على منصة التكريم فى مشهد كلل مسيرة كفاحها من أجل التعليم ومنحها لقب عميدة التعليم العام ، بزيارة إلى بيت الله الحرام أهداها إياها اللواء محمد سالمان الزملوط محافظ الوادى الجديد تقديرا لرحلة عطائها طوال ٢٥عاما طلبا للعلم وإتمامها حفظ كتاب الله تعالى رغم ظروفها الصحية وتقادم السن، ضمن فعاليات حفل تكريم النماذج المشرفة وحفظة القرآن الكريم منذ عدة أيام.

ولدت نعيمة على محمد مرزوق عام ١٩٤٢ بالعباسية في أسرة بسيطة ومكافحة لم تلبس أن هاجرت أسرتها إلى محافظة الجنوب (الوادى الجديد) حاليا عام ١٩٤٦م نظراً لطبيعة عمل والدها كمندوب إحدى الشركات بالمحافظة.
لم تطل فترة اعتياد الأسرة على المناخ المجتمعي الجديد ، والبيئة الواحاتية الفريدة والتى تميزت بالهدوء والنقاء إلى جانب الطيبة والبساطة التى ظهرت على جميع سكانها المحليين بمركزى الخارجة والداخلة التابعين لإدارة حرس الحدود آئنذاك .

تقول نعيمة على محمد رزق ٧٨ عاما بالمعاش فى تصريح خاص ل انباء اليوم المصرية ، كنا أول العائلات التى هاجرت من القاهرة إلى محافظة الجنوب أو الوادى الجديد حاليا، كنت حينها طفلة صغيرة ، ولكنى اتذكر جيداً وجه البكباشى (عقيد), محمد عبدالهادى ناصف عام ١٩٥٣م فلقد كانت ابنته زميلة لى وتسبقنى بسنة دراسية إلى أن وصلت إلى الصف الاول الثانوي العام ولكنها لم تلبث أن تزوجت ولم تكمل تعليمها.

وبالحديث عن مسيرتها التعليمية أوضحت بأنها نجحت فى إثبات فكرة أن المرأة تستطيع فعل المستحيل من خلال قصة معاناتها التى ابقتها سجينة لأكثر من ١٠اعوام بمدرسة الخارجة الابتدائية بمركز الخارجة، كانت من المنزل إلى المدرسة في فصل جميع تلاميذه من الصبيان وهى فقط.

وأردفت ثم أصبحت متحررة لعشرة سنوات أخرى وذلك خلال فترة التعليم الجامعى بيدين مكبلتين باغلال مسئولية تربية صغارها الستة وزوجها الذى ترك عمله في الواحات وآثر البقاء معها في القاهرة لحين إنتهاء دراستها والعودة مرة أخرى فور إنتهاء اختبارات نهاية العام الجامعي .

واضافت ” على” أن حياتها حظيت بالكثير من المواقف العصيبة والطريفة وخاصة عند سفرها من مركز الخارجة إلى محافظة أسيوط لإتمام امتحانات شهادة الثانوية العامة بواسطة عربة نقل خاصة من قبل التعليم، وفى منتصف الطريق انقلبت الشاحنة وأصيب جميع من فيها بمن فيهم أبناء محافظتها من طلاب فصلها، وتم نقلهم إلى مستشفي أسيوط العام إلا أنها رفضت البقاء لتلقي الإسعافات اللازمة برغم إصابتها بكدمات كثيرة وتورم في مناطق متفرقة بوجهها، ولكنها أصرت على الذهاب إلى لجنتها المنعقدة حرصا منها على عدم إضاعة الفرصة لكونها كانت تعلم أنها لن تستطيع العودة مرة ثانية إن لم تختبر .

واوضحت” على “أن فرحة أسرتها لا يمكن وصفها فور ورود بيان صادر عن مديرية التربية والتعليم بمحافظة أسيوط فى خطاب مكتوب يزف بشرة نجاح إبنتهم نعيمة وحصولها على الثانوية العامة مرفق به مكافأة مالية عشرة جنيهات كأول فتاة تحصل عليها من محافظة الوادى الجديد ، وفى إشارة منها إلى التعليم الجامعي أكدت ابنة الصحراء بأن طموحها لم ينتهي بمجرد حصولها على شهادة الثانوية العامة،، فلقد تزوجت وانجبت ثلاثة أطفال وبقي لديها حلم استكمال تعليمها قائما.

فسافرت إلى القاهرة هى وزوجها وأسرتها واستمرت إقامتهم ذهابا وإيابا لأكثر من ثمان سنوات حتى حصلت على ليسانس حقوق فترة ولاية الدكتور فتحى سرور عميدا لكلية الحقوق جامعة القاهرة فى ذلك الوقت، فى سابقة جديدة لأبرز نماذج هذا الجيل من الخريجين والقيادات التنفيذية والتعليمية ، إلا أنها رفضت تلك المناصب وفضلت وظيفة إدارة المجالس المحلية بمركز الخارجة وسرعان ما تقدمت بطلب ندب إلى إحدى المدارس القريبة من منزلها وسط دهشة كبيرة من رؤسائها لكونها تستحق منصب قيادى كبير يتناسب مع درجتها العلمية ولكن جاء ردها بالرفض لقناعتها بأن الواجب يتطلب تواجدها بالقرب من أبنائها الستة لمتابعة دروسهم ومستلزماتهم المدرسية ، فيما اختتمت مسيرتها الوظيفية كاخصائى مكتبات إلى أن بلغت السن القانونى للإحالة إلى التقاعد، مختتمة حديثها، تعلمت العلم لذاك العلم ولم أرغب يوما فى المناصب ، ولو عاد بي الزمن إلى الوراء لتقدمت للحصول على الدراسات العليا والدكتوراة ، فالحياة علمتنى الا استسلم للماضي وأن ابحث عن المستقبل فى كتب العلوم والمعارف والأسرار. شاكرة اللواء محمد الزملوط محافظ الوادى الجديد لمنحه أياها زيارة بيت الله الحرام تقديرا لجهودها كنموذج مشرف يستحق أن يدرس في كتب التاريخ والعلام.

الوسوم

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق