أدب وثقافة

عالم الانتحار والمنتحرين

 

بقلم الراحل الدكتور -مصطفي محمود
متابعة – هبه قاسم

” الانتحار” من الظواهر المنتشرة فى دول مختلفة وتعانى منه الدول الفقيرة والغنية على حد سواء ففى كل مكان تتعد الاسباب ولكن النتيجة واحده وهى اختيار الانسان الهروب من الحياة بقتله لنفسه.

من العجيب أن التقدم الذي جاء بمزيد من وسائل الترف و الراحة و بمزيد من التسهيلات للإنسان.. قد قابله الإنسان بمزيد من الرفض و السخط و التبرم، فرأينا إحصائيات الانتحار ترتفع مع مؤشرات التقدم في كل بلد ،و كلما ازداد البلد مدنيةً ازداد عدد الذين يطلقون على أنفسهم الرصاص و يلقون بأنفسهم من النوافذ و يبتلعون السم و يشربون ماء النار، هذا غير الانتحار المستتر بالخمور و المخدرات و التدخين و المنومات و المسكنات و المنبهات.
و في مقدمة هؤلاء المنتحرين طلائع فن و فكر وثقافة تعود الناس أن يأخذوا عنهم الحكمة و العلم و التوجيه.

وقد وصلت الموجة إلى بلادنا فامتلأت أعمدة الصحف بأخبار ابتلاع السم و إطلاق الرصاص و الشنق و الحرق، و قال المختصون إن نسبة الزيادة الإحصائية تجاوزت العشرين في المائة.. و هو رقم كبير،والاذدياد متواصل سنة بعد سنة .

و السؤال هنا لماذا.. و ما السر؟
و ما سبب الانتحار؟
و إذا تركنا التفاصيل جانباً و حاولنا تأصيل المشكلة وجدنا جميع أسباب الانتحار تنتهي إلى سبب واحد.. أننا أمام إنسان خابت توقعاته و لم يعد يجد في نفسه العزم أو الهمة أو الاستعداد للمصالحة مع الواقع الجديد أو الصبر على الواقع القديم.
حيث إنها لحظة نفاد طاقة و نفاد صبر و نفاد حيلة و نفاد عزم.

لحظة إلقاء سلاح يأس ما يلبث أن ينقلب إلى اتهام و إدانة للآخرين و للدنيا ثم عداوة للنفس و للآخرين و للدنيا ،حتي تظل تتصاعد و تتفاقم و تتحول إلى حرب من نوع مختلف يعلنها الشخص على نفسه و يشنها على باطنه، و في لحظة ذروة تلتقط يده السلاح لتقتلع المشكلة من جذورها، ويقتلع معها الإحساس المرير، و ذلك بطمس العين التي تبصر و قطع اللسان الذي يذوق و تحطيم الدماغ الذي يفكر و تدمير اليد التي تفعل و القدم الذي يمشي.

الانتحار هو نوع من الانفراد بالرأي و الانفراد بالحل و مصادرة جميع الآراء الأخرى بل إنكار أحقية كل وجود آخر غير الذات.

و لذلك فإن لحظة الانتحار تتضمن بالضرورة الكفر بالله و إنكاره و إنكار فضله و اليأس من رحمته و اتهامه في صنعته و في عدله و رفض أياديه ، و رفض أحكامه و رفض تدخله.
فهي لحظة كبر و علو و غطرسة و استبداد، وليست لحظة ضعف وبؤس وانكسار كما يظنها الكثير .

و بدون هذا العلو و الكبر و الغطرسة لا يمكن أن يحدث الانتحار أبداً.

فالإنسان لا ينتحر إلا في لحظة دكتاتورية مطلقة و تعصب أعمى لا يرى فيه إلاّ نفسه.
و الانتحار في صميمه اعتزاز بالنفس و تأله و منازعة الله في ربوبيته.

و المنتحر يختار نفسه و يصادر كل أنواع الوجود الآخر في لحظة غل مطلق.. في لحظة جحيم.
و لهذا يقول الله تعالي أن من “قتل نفسه يهوي إلى جحيم أبدي” لأنه قد اختار الغل و انتصر للغل و أخذ جانب الغل عند الاختيار النهائي للمصير.

و الانفراد المطلق في الرأي عصبية و غل و نارية إبليسية،
و النفس المتكبرة الأمارة بالسوء هي نار محضة و ظلمة،
و كل منا في داخله عدة احتمالات لنفوس متعددة.
وفي داخل كل منا نفس أمارة ظلمانية توسوس له بالشر و الشهوات ،و نفس لوامة نورانية تحضه على الخير ثم كل المراتب النفسية علواً و سفلاً فوق و تحت هاتين المنزلتين.

و كل نفس في حالة تذبذب مستمر بين هذه المراتب صاعدة هابطة فهي حيناً ترتفع إلى آفاق ملهمة و حيناً تهبط إلى مهاوٍ مظلمة شهوانية.

ثم في النهاية تستقر.. فإذا استقرت على الرفض و الكبر و الغطرسة و الغل ثم اقتلعت أسنانها و لسانها و سمعها و بصرها و قطعت رقبتها في غل نهائي لا مراجعة فيه ، هي قد اختارت الجحيم بالفعل، بل إنها في ذاتها قبضة نار لا مكان لها إلا في الجحيم (ناراً وقودها الناس و الحجارة )

يجب أن تضع يدك في يد الله و لا تبرح ،و حسبك من علاقتك بالناس أن تبذل لهم مودتك و رحمتك على غير توقع لشيء،واعلم جيدا ان ذلك هو قارب النجاة في عالم اليوم. عالم الانتحار و المنتحرين.

الوسوم

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق